أحمد بن ابراهيم النقشبندي
233
شرح الحكم الغوثية
النهاية ، قيل له ذلك فقال : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [ النمل : 88 ] « 1 » ، فدلّ كلامه على أن واردات المتمكن مخفية ، وهي تحت كامنة مطوية ، لا يعرفها إلّا من كانت له معرفة قوية ، وسريرة المعية ، ولهذا لما خرج يوسف عليه السلام على النسوة أثّر فيهن الحال قطعن أيديهن ، وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [ يوسف : 31 ] ؛ لكونهن كن في البداية من محبّته ، وزليخا لما كانت متمكنة لم يتغير منها في ذلك الوقت ذرة ، وإن كانت محبّته قد ملأتها ، ولم يبق منها شعرة . فإن أردت أيّها الأخ أن يكون لك نصيب من مقام أهل النهايات فاجتهد في محو ثأرك ورسومك ، تبلغ من هذه المواهب الغايات . 107 - كل حقيقة لا تمحو أثر العبد ورسومه فليست بحقيقة ثبات . إذ الحقيقة إذا أشرقت بشمس ضحاها ، وارتفعت وظهرت في سماها ، إذ هبت نجم الفرق ضمن الآثار والرسوم ، ومحقت كل العلوم ، كما قال بعضهم : وانس العلوم ما كنت تكتبه * فمحوه واجب من كل مكتتب فإن لم تكن كذلك فليست بحقيقة ، ومن لم يشهد من نفسه هذه العلامات فلم يسلك على الحقيقة الطريقة ، فإن من شرب الشراب ظهرت آثاره فيه ، ومن أدهقت له الكئوس ظهرت محاسنه ، وخفيت مساوئه . فإن أردت أيّها الأخ الصافّي من رحيق الشراب ، فعليك بمتابعته صلى اللّه عليه وسلم ، والتأدّب بتلك الآداب ثبات الأقدام بسلوك الاتّباع ، والإتمام بالرسل الكرام ؛ إذ هو الموصل إلى مقام المحبة ، كما قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ، فمن حصلت له محبّة اللّه كيف لا يثبت في الطاعة قدمه ؟ ! وكيف لا يظهر لواحد وينتشر في اجتهاد التقوى علم شكره ؟ ! وهو مقام الاستقامة ، وهي
--> ( 1 ) انظر : الإحياء ( 2 / 303 ) ، واللمع ( ص 366 ) ، والمعزى في مناقب أبي يعزى ( بتحقيقنا ) ، وكتابنا في الجنيد ( ص 279 ) .